EN
سيتم بمشئية الله تعالى إضافة تفريغ جميع الخطب المنشورة في الموقع، ويتم التحديث تدريجيا
التحذير من الشرك الأصغر وأنواعه

 

الحمدُ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ، أَعَاذَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَجَمِيعَ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ مِنَ النَّارِ.

 

أَيُّهَا النَّاسُ، تَكَلَّمْنَا عَنْ خَطَرِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَذَكَرْنَا طَائِفَةً مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ، وَفِي هَذِهِ الخُطْبَةِ نَتَنَاوَلُ أَنْوَاعًا مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ.

قَالَ أَهْلُ العِلْمِ فِي بَيَانِ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ: هُوَ كُلُّ مَا وَرَدَ النَّصُّ عَلَى أَنَّهُ شِرْكٌ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ إِرَادَةٍ، وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ أَوْ فِي بَعْضِهَا، وَمِنْهُ وَسَائِلُ الشِّرْكِ وَذَرَائِعُهُ وَمَا يُوَصِّلُ إِلَيْهِ وَيُمَهِّدُ لَهُ، فَإِنَّهُ مَعْدُودٌ فِي الشِّرْكِ الأَصْغَرِ، وَيَكْفِي فِي تَعْظِيمِ وَتَفْخِيمِ أَمْرِهِ وَتَهْوِيلِهِ أَنَّهُ مِنْ الوَانِ الشِّرْكِ.

 

فَمِنْ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ: الدُّعَاءُ وَالسُّؤَالُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ وَمَخْلُوقٍ أَوْ بِجَاهِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَقَوْلِ القَائِلِ: «اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فُلَانٍ» أَوْ «بِحَقِّ آلِ مُحَمَّدٍ» أَوْ «بِحَقِّ الوَلِيِّ الفُلَانِيِّ» أَوْ «بِجَاهِ فُلَانٍ»، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ حَقٌّ يُسْأَلُ جَلَّ وَعَلَا بِهِ.

 

وَمِنْهُ أَنْ يُدْعَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ قَبْرِ وَلِيٍّ أَوْ مَشْهَدٍ، بِحَيْثُ يَتَبَرَّكُ بِالمَكَانِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَسْرَعُ فِي الإِجَابَةِ، وَمِنْ مَوَاطِنِ الإِجَابَةِ كَمَا يَدْعُو المُسْلِمُ فِي عَرَفَةَ وَبَيْنَ الجَمْرَتَيْنِ وَعَلَى الصَّفَا وَالمَرْوَةِ يَرْجُو إِجَابَةَ الدُّعَاءِ، يَقْتَدِي بِهَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالَّذِي يَدْعُو اللَّهَ عِنْدَ قَبْرِ وَلِيٍّ أَوْ رَجُلٍ صَالِحٍ أَوْ عِنْدَ مَشْهَدٍ يَرْجُو الإِجَابَةَ فَقَدِ ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللَّهِ وَفَعَلَ فِعْلًا مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ، فَرُبَّمَا تَمَادَى بِهِ الحَالُ إِلَى أَنْ يَدْعُوَ المَقْبُورَ وَيُنْزِلَ بِهِ حَاجَتَهُ وَيُنْزِلَ بِهِ سُؤْلَهُ.

 

وَمِنْهُ تَعْلِيقُ الحُرُوزِ وَالتَّمَائِمِ، وَفِي المُسْنَدِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ فِي الجَامِعِ الصَّحِيحِ: «أَنَّ رَهْطًا أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ، فَقَالُوا: بَايَعْتَ هَؤُلَاءِ وَتَرَكْتَ هَذَا؟ قَالَ: إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً، فَأَدْخَلَ يَدَهُ قَطَعَهَا، فَبَايَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ». وَعِنْدَ الحَاكِمِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ فِي الجَامِعِ الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ فَرَأَى عَلَيْهَا حِرْزًا، فَقَطَعَهُ قَطْعًا عَنِيفًا، وَقَالَ: «إِنَّ آلَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الشِّرْكِ لَأَغْنِيَاءُ، إِنَّ مِمَّا حَفِظْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ». فَالَّذِي يُعَلِّقُ التَّمِيمَةَ يَسْتَدْفِعُ العَيْنَ أَوْ يَطْلُبُ العَافِيَةَ فَعَلَ فِعْلًا شِرْكِيًّا، عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ، وَمَاذَا عَسَى تُغْنِي عَنْهُ وُرَيْقَاتٌ وَرُبَّمَا فِيهَا طَلَاسِمُ، أَوْ قِطْعَةُ جِلْدٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ نُحَاسٍ وَنَحْوِهِ؟!

 

وَمِنْ ذَلِكَ رَبْطُ الوَتَرِ أَوِ الخَيْطِ، وَلُبْسُ الحَلَقَةِ أَوْ تَعْلِيقُ الحَلَقَةِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عَلَى الأَنْعَامِ لِرَفْعِ البَلَاءِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، أَوْ لِدَفْعِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَأَرْسَلَ رَسُولَهُ إِلَى النَّاسِ: أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ مَهْمَا كَانَتْ إِلَّا قُطِعَتْ». فَالوَاجِبُ قَطْعُ مِثْلِ هَذِهِ الأَسْبَابِ الوَهْمِيَّةِ الَّتِي فِيهَا تَعْلِيقُ القُلُوبِ بِغَيْرِ عَلَّامِ الغُيُوبِ؛ «انْزِعْهَا فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا»، وَمَرَضًا وَبُعْدًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

 

وَمِنْ أَنْوَاعِهِ أَيْضًا الرُّقَى الشِّرْكِيَّةُ بِشَتَّى أَنْوَاعِهَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَالرُّقَى الشِّرْكِيَّةُ لَا تَجُوزُ بِطَلَاسِمَ أَوْ بِذِكْرِ أَسْمَاءِ جِنٍّ أَوْ بِاسْتِغَاثَةٍ بِشَيَاطِينَ، أَمَّا الرُّقَى الشَّرْعِيَّةُ كَالرُّقْيَةِ بِالفَاتِحَةِ فَإِنَّهَا رُقْيَةٌ عَظِيمَةٌ جَاءَ بِهَا الشَّرْعُ، وَالرُّقْيَةُ بِأَحَادِيثِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ البَاسَ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا»، «بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ»، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ رُقْيَةً طَيِّبَةً شَرْعِيَّةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا الرُّقَى الشِّرْكِيَّةُ فَمُحَرَّمَةٌ، لَا تَزِيدُ المَرِيضَ إِلَّا مَرَضًا، وَلَا تَزِيدُ الضَّعِيفَ إِلَّا ضَعْفًا، وَلَا تَزِيدُ المَهْزُومَ إِلَّا هَزِيمَةً، وَلَا تَزِيدُ المُبْغِضَ إِلَّا بُغْضًا، فَالتِّوَلَةُ مِنَ الشِّرْكِ، وَكُلُّ مَا يُطْلَبُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ.

 

وَمِنْ أَنْوَاعِهِ نِسْبَةُ الحَوَادِثِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ سَبٍّ لِمَا يُنْسَبُ الحَادِثُ إِلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّسَخُّطِ، كَمَا فِي سَبِّ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ لِلَّدَّهْرِ وَالزَّمَانِ وَالأَعْوَامِ وَالأَسَابِيعِ، فَيَقُولُونَ: «قَاتَلَ اللَّهُ عَامَ كَذَا وَكَذَا» يَسُبُّونَ وَيَلْعَنُونَ، وَ«لَعَنَ اللَّهُ سَنَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ» أَوْ «يَوْمَ كَيْتَ وَكَيْتَ» لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوَادِثِ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ»، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ»، الدَّهْرُ مَخْلُوقٌ ضَعِيفٌ لَا يُدَبِّرُ وَلَا يُصَرِّفُ وَلَا يَمْلِكُ شَيْئًا، مَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ. وَهَكَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهَا وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ». لَا تَسُبَّ الرِّيحَ، مَخْلُوقَةٌ مُدَبَّرَةٌ مُصَرَّفَةٌ مُرْسَلَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَسَبُّ الدَّهْرِ وَسَبُّ الرِّيحِ دَائِرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ خَطِيرَيْنِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا اعْتَقَدَ السَّابُّ أَنَّ الدَّهْرَ أَوِ الرِّيحَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ هُوَ الفَاعِلُ، أَوْ سَبُّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالتَّسَخُّطُ عَلَى أَقْدَارِهِ، فَإِنَّهُ الَّذِي جَلَّ وَعَلَا قَضَى وَقَدَّرَ، وَلَا مَحِيدَ وَلَا مَنَاصَ لِمَا قَضَاهُ اللَّهُ وَقَدَّرَهُ عَلَى فَرْدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ.

وَمِنْ أَنْوَاعِهِ أَيْضًا نِسْبَةُ النِّعَمِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الأَسْبَابِ الوَهْمِيَّةِ أَوِ الصَّحِيحَةِ وَتَنَاسِي المُنْعِمِ جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَنْسُبُونَ الأَمْطَارَ إِلَى المَوْسِمِ وَإِلَى النَّجْمِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ إِثْرَ مَطَرٍ كَانَ مِنَ اللَّيْلِ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ». نِسْبَةُ النِّعَمِ وَالأُمُورِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي تَحْدُثُ إِلَى المَخْلُوقِ وَالغَفْلَةُ عَنْ شُكْرِ الخَالِقِ وَالتَّنَاسِي تَمَامًا هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، وَقَالَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، فَمَا بَالُ أُنَاسٍ يَسْلَمُونَ فَيَرُدُّونَ الجَمِيلَ إِلَى حِذْقِ السَّائِقِ أَوْ حِذْقِ الطَّبِيبِ أَوْ إِلَى جُهْدِهِمْ وَعَرَقِهِمْ وَتَعَبِهِمْ، لَا يَكَادُ يَقُولُ القَائِلُ: «الحَمْدُ لِلَّهِ نَشْكُرُ اللَّهَ»، أَوْ إِلَى بُطُولَةِ الرِّجَالِ وَبَسَالَتِهِمْ، وَمَا عَلِمَ المِسْكِينُ أَنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، هُوَ الَّذِي يَنْصُرُ وَهُوَ الَّذِي يُسَلِّمُ وَهُوَ الَّذِي يُعَافِي جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ، اشْكُرِ اللَّهَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَذْكُرَ نِعْمَةً فَاشْكُرِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قُلْ: «الحَمْدُ لِلَّهِ وَفَّقَ اللَّهُ الجُنُودَ»، «الحَمْدُ لِلَّهِ سَدَّدَ اللَّهُ الرَّامِيَ»، «الحَمْدُ لِلَّهِ وَفَّقَ اللَّهُ الطَّبِيبَ وَالسَّائِقَ»، اذْكُرِ اللَّهَ، رُدَّ الفَضْلَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا تَرُدَّهُ إِلَى السَّبَبِ.

 

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: «وَالوَاجِبُ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ لَا يَنْسُبَ النِّعَمَ إِلَى الأَسْبَابِ بَلْ يَرُدُّهَا إِلَى مُسَبِّبِهَا وَمُقَدِّرِهَا، وَمَنْ رَدَّهَا إِلَى السَّبَبِ مُعْتَقِدًا نِسْبَتَهَا بِقَلْبِهِ إِلَى السَّبَبِ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ المِلَّةِ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَمَنْ اعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ نِسْبَتَهَا إِلَى اللَّهِ وَنَسَبَهَا إِلَى غَيْرِهِ بِلِسَانِهِ فَذَلِكَ نَوْعُ شِرْكٍ خَفِيٍّ».

وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا نِسْبَةُ الحَوَادِثِ إِلَى الأَسْبَابِ الوَهْمِيَّةِ، فَهَذَا أَعْظَمُ وَأَطَمُّ وَأَخْطَرُ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ سَبَبًا، كَنِسْبَةِ العَافِيَةِ إِلَى حِرْزٍ أَوْ نِسْبَةِ العَافِيَةِ إِلَى خَيْطٍ، وَمَا عَلَاقَةُ الخَيْطِ فِي حَصًى فِي الكُلَى أَوْ حُمَّى أَوْ صُدَاعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؟! قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

مِنْ ذَلِكَ عِبَادَ اللَّهِ التَّطَيُّرُ، وَهُوَ تَشَاؤُمٌ بِالقَلْبِ يَبْعَثُ عَلَى الكَفِّ، فَيَتَشَاءَمُ مِنْ طَيْرٍ، أَوْ يَتَشَاءَمُ مِنْ أَعْوَرَ رَآهُ، أَوْ يَتَشَاءَمُ مِنْ مَنْظَرٍ رَآهُ يَتَشَاءَمُ بِهِ، أَوْ مِنْ كَلِمَةٍ فَتَمْنَعُهُ مِنْ سَفَرٍ أَوْ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ أَوْ مِنْ زَوَاجٍ، خَوَرٌ وَضَعْفٌ، عَدَمُ تَوَكُّلٍ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ضَعْفُ القَلْبِ. الطِّيَرَةُ شِرْكٌ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ فِي الجَامِعِ الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ».

 وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «لَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ». وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ فَقَدْ قَارَفَ الشِّرْكَا». يُبَكِّرُ لِيَفْتَحَ مَتْجَرَهُ فَيَتَطَيَّرُ مِنْ مَنْظَرٍ أَوْ مِنْ رَجُلٍ أَوْ مِنْ كَلِمَةٍ فَيَتْرُكُ، وَرُبَّمَا فَتَحَ لَكِنْ يَبْقَى التَّطَيُّرُ فِي قَلْبِهِ، أَوْ يَتْرُكُ السَّفَرَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، لَا طِيَرَةَ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا مُسَبِّبُ الأَسْبَابِ يُقَدِّرُ الأَقْدَارَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمِنْ أَجَلِّ العِبَادَاتِ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ.

وَمِنْ ذَلِكَ الحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ شِرْكٌ، فَفِي النَّسَائِيِّ عَنْ قُتَيْلَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ حَبْرًا قَالَ: «إِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ وَتُنَدِّدُونَ، تَقُولُونَ: وَالكَعْبَةِ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ»، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تَقُولُوا: وَالكَعْبَةِ، قُولُوا: وَرَبِّ الكَعْبَةِ»، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ». وَفِي المُسْنَدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: «مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ»، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ». فَلَا يَجُوزُ الحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَا يَجُوزُ العَطْفُ وَالتَّشْرِيكُ بِحَرْفِ الوَاوِ، فَإِنَّ مَشِيئَةَ كُلِّ مَنْ دُونَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا تَابِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ مُتَرَاخِيَةٌ عَنْهَا، لَا يَجُوزُ: «أَنَا بِاللَّهِ وَبِكَ»، «عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَكَ»، وَنَحْوُ ذَلِكَ، بَلْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ فَلْيَعْطِفْ بِـ «ثُمَّ» الَّتِي تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَالتَّرَاخِيَ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ»، وَهَذَا جَوَازٌ، وَالأَفْضَلُ: «مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»، «أَنَا بِاللَّهِ»، «أَنَا عِنْدَ اللَّهِ». أَمَّا «عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَكَ»، «أَنَا بِاللَّهِ وَبِكَ»، «هَذَا مِنَ اللَّهِ وَمِنْكَ» أَوْ «مِنْ فُلَانٍ» غَلَطٌ، هَذَا مِنَ الشِّرْكِ اللَّفْظِيِّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ العِلْمِ.

وَهَكَذَا فِي السُّنَنِ عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا». وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِي، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ».

 وَمِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ، وَهُوَ فِي الجَامِعِ الصَّحِيحِ وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، أَنَّهُ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: «وَاللَّاتِ وَالعُزَّى»، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: «بِئْسَ مَا قُلْتَ! قُلْتَ هُجْرًا، ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، قَالَ: «فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ»، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَانْفُثْ عَنْ يَسَارِكَ، وَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَا تَعُدْ»، انْتَهَى. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». فَلَا يَجُوزُ الحَلِفُ بِالوَلِيِّ، وَلَا بِالنَّبِيِّ، وَلَا بِشَجَرٍ، وَلَا بِحَجَرٍ، وَلَا بِالعَيْشِ وَالمِلْحِ، وَلَا بِالسَّيِّدِ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ.

وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا المُرَاءَاةُ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَهَذِهِ قَاسِمَةٌ وَهَذِهِ بَلِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى دَنِيَّةٍ، يَعْمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ، يَتَصَدَّقُ لِيُقَالَ: كَرِيمٌ، وَيُصَلِّي لِيُقَالَ: خُشُوعٌ أَوْ مُوَاظِبٌ، أَوْ يَعْمَلُ لِيُقَالَ: كَيْتَ وَكَيْتَ، يَوْمَ القِيَامَةِ يُقَالُ لَهُ: «اذْهَبْ، هَلْ تَجِدُ عِنْدَ مَنْ كُنْتَ تُرَائِي جَزَاءً؟!»، فِي المُسْنَدِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكُ الأَصْغَرُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: «يَقُومُ الرَّجُلُ يُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَيْهِ، يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ حِينَ يُجَازَى النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ لِهَؤُلَاءِ: اذْهَبُوا، انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَ مَنْ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ جَزَاءً؟!». مَا يَجِدُ فُقَرَاءُ النَّاسِ، فُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، إِنَّمَا الحَسَنَاتُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَالرَّجُلِ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً عَلَى الأَرْضِ أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ حَمِيَّةً، وَالرَّجُلِ يُقَاتِلُ مِنْ أَجْلِ المَالِ مِنْ أَجْلِ الغَنِيمَةِ، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».

وَمِنْ ذَلِكَ عِبَادَ اللَّهِ العَمَلُ مِنْ أَجْلِ الدُّنْيَا، لِعَرَضٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ جَاهٍ، عَمَلُ الآخِرَةِ، العِبَادَةُ مِنْ أَجْلِ المَالِ، العِبَادَةُ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلتَّكَسُّبِ، فَالَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ أَجْلِ مَالٍ، يُؤَذِّنُ مِنْ أَجْلِ المَالِ فَقَطْ، أَوْ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِ المَالِ فَقَطْ، أَوْ يُجَاهِدُ مِنْ أَجْلِ المَالِ فَقَطْ، أَوْ يَعْمَلُ العَمَلَ مِنْ أَجْلِ المَالِ فَقَطْ، مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلَّدُّنْيَا مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ»، وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ  أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، فَأَقْبِلْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَخْلِصْ فِي أَعْمَالِكَ. قَالَ العُلَمَاءُ: مَنْ حَجَّ لِيَأْخُذَ مَالًا مَا لَهُ وَلِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ نَصِيبٌ، وَمَنْ أَخَذَ لِيَحُجَّ لِيَقِفَ فِي المَوَاقِفِ وَلِيَكُونَ مَعَ أَهْلِ صَعِيدِ عَرَفَةَ يَدْعُو اللَّهَ، أَخَذَ لِيَحُجَّ يُرِيدُ الحَجَّ فَلَهُ أَجْرُ حَجَّتِهِ كَامِلَةً بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. النِّيَّاتُ يَجِبُ الصِّدْقُ فِيهَا مَعَ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ.

 

وَمِنْ ذَلِكَ، وَنَخْتِمُ بِهِ: التَّبَرُّكُ بِالصَّالِحِينَ أَوْ بِالقَبْرِ أَوْ بِالمَشْهَدِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَهُوَ مِنَ الشِّرْكِ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِجَمَاعَةٍ مِنْ حُدَثَاءِ عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَمَّا قَالُوا: «اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ» يَتَبَرَّكُونَ بِهَا، قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ! قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ». فَالَّذِينَ يَتَبَرَّكُونَ بِتُرَابِ القَبْرِ أَوْ بِتَقْبِيلِهِ أَوْ بِالطَّوَافِ عِنْدَهُ أَوْ بِالسُّجُودِ عَلَيْهِ، أَوْ يَتَبَرَّكُونَ بِالكَعْبَةِ أَوِ المَقَامِ أَوِ الصَّفَا أَوْ بِالوَلِيِّ أَوْ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ قَدْ أَتَوْا فِعْلًا مَوْصُوفًا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الشِّرْكِ، فَالبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالمُتَبَرِّكُ جَمَعَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: اعْتَقَدَ البَرَكَةَ فِيمَا ذُكِرَ وَالبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ، وَطَلَبَ البَرَكَةَ لِنَفْسِهِ، وَكِلَا الأَمْرَيْنِ مَوْقُوفٌ عَلَى دَلِيلٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

وَإِنَّنَا إِذْ نُحَذِّرُ أَنْفُسَنَا وَعُمُومَ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ لَا نَتَّهِمُ المُسْلِمِينَ بِشِرْكٍ، وَلَكِنْ نَعْتَقِدُ أَنَّ نَصْرَ الأُمَّةِ وَعِزَّهَا وَمَجْدَهَا وَرِزْقَهَا وَثَبَاتَهَا فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا وَالبُعْدِ مِنَ الشِّرْكِ، وَأَنَّ وَهْنَهَا وَضَعْفَهَا وَعَجْزَهَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَأَعْظَمُ مَا يُعْصَى اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

نَسْأَلُ اللَّهَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَجُودِهِ وَإِحْسَانِهِ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ المُخْلِصِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ المُسْلِمِينَ عَامَّةً، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ فِي هَذَا البَلَدِ خَاصَّةً، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا وَأَرَادَ بِدِينِنَا وَبِبِلَادِنَا وَخَيْرَاتِنَا وَإِخْوَتِنَا وَدِمَائِنَا سُوءًا أَوْ مَكْرًا فَاجْعَلْ تَدْمِيرَهُ فِي تَدْبِيرِهِ وَاجْعَلِ السُّوءَ يُحِيطُ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِاليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالمُنَافِقِينَ وَالرَّافِضَةِ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.